القرطبي
98
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
فيه ثلاث وعشرون مسألة : الأولى - قوله تعالى : ( أنشأ ) أي خلق . جنات معروشات أي بساتين ممسوكات ( 1 ) مرفوعات . وغير معروشات غير مرفوعات . قال ابن عباس : " معروشات " ما انبسط على الأرض مما يفرش مثل الكروم والزروع والبطيخ . " وغير معروشات " ما قام على ساق مثل النخل وسائر الأشجار . وقيل : المعروشات ما ارتفعت أشجارها . وأصل التعريش الرفع . وعن ابن عباس أيضا : المعروشات ما أثبته ورفعه الناس . وغير المعروشات ما خرج في البراري والجبال من الثمار . يدل عليه قراءة علي رضي الله عنه " مغروسات وغير مغروسات " بالغين المعجمة والسين المهملة . الثانية - قوله تعالى : ( والنخل والزرع ) أفردهما بالذكر وهما داخلان في الجنات لما فيهما من الفضيلة ، على ما تقدم بيانه في " البقرة " عند قول : " من كان عدوا ( 2 ) لله وملائكته " الآية . " مختلفا أكله " يعني طعمه منه الجيد والدون . وسماه أكلا لأنه يؤكل . و " أكله " مرفوع بالابتداء . و " مختلفا " نعته ، ولكنه لما تقدم عليه وولي منصوبا نصب . كما تقول : عندي طباخا غلام . قال : الشر منتشر يلقاك عن عرض * والصالحات عليها مغلقا باب وقيل : " مختلفا " نصب على الحال . قال أبو إسحاق الزجاج : وهذه مسألة مشكلة من النحو ، لأنه يقال : قد أنشأها ولم يختلف أكلها وهو ثمرها ، فالجواب أن الله سبحانه أنشأها بقوله : " خالق كل شئ " فأعلم أنه أنشأها مختلفا أكلها ، أي ( 3 ) أنه أنشأها مقدرا فيه الاختلاف ، وقد بين هذا سيبويه بقوله : مررت برجل معه صقر صائدا به غدا ، على الحال ، كما تقول ، لتدخلن الدار آكلين شاربين ، أي مقدرين ذلك . جواب ثالث : أي لما أنشأه كان مختلفا أكله ، على معنى أنه لو كان له لكان مختلفا أكله . ولم يقل أكلهما ، لأنه اكتفى بإعادة الذكر على أحدهما ، كقول : " وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها ( 4 ) " أي إليهما . وقد تقدم هذا المعنى .
--> ( 1 ) كذا في ا وك وج . لعل الأصل : مسموكات . في البحر : عرشت الكرم إذا جعلت له دعائم وسمكا ينعطف عليه القضبان . ( 2 ) راجع ج 2 ص 36 . ( 3 ) كذا في الأصول والمتبادر أن العبارة : أو أنه أنشأها الخ فيكون هذا جوابا ثان كما يستفاد من العبارة الآتية والخامس . ( 4 ) راجع ج 18 ص 109 .